إن كون الشخص مخاطَبًا بتحقيق جنائي بصفة «مشتبه به» يستتبع جملةً من الضمانات الدستورية والقانونية. فالتوقيف أو الاستدعاء للإدلاء بالإفادة لا يعني أن الشخص قد فقد حقوقه؛ بل إن هذه الحقوق تنشأ تحديدًا في هذه المرحلة. وقد كفل قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 5271 حقوق المشتبه به على نحو مفصَّل.

في هذا المقال، نتناول في خطوطها العامة المفاهيم الأساسية الواجب معرفتها في أدق لحظات التحقيق الجنائي، والحقوق التي يتمتع بها المشتبه به.

الفرق بين المشتبه به والمتهم

رغم الخلط بين هذين المفهومين في اللغة الدارجة، فإنهما مختلفان قانونًا. فـالمشتبه به هو الشخص الذي يكون محلَّ اشتباه في ارتكاب جريمة في مرحلة التحقيق. أما المتهم فهو الشخص المشتبه في ارتكابه جريمة في المرحلة الممتدة من بدء الملاحقة (المحاكمة) حتى اكتساب الحكم درجة القطعية. وهذا التمييز مهم، لأن كلًا من الجهات المختصة وطريقة ممارسة بعض الحقوق يتغيّران بحسب المرحلة.

الضبط والتوقيف والحبس الاحتياطي ليست شيئًا واحدًا

  • الضبط: تقييد مؤقت وفعلي لحرية الشخص؛ ويمكن مبدئيًا أن تقوم به الضابطة العدلية عند توافر شروطه.
  • التوقيف: يُطبَّق بقرار من المدعي العام. ولا يجوز مبدئيًا أن تتجاوز مدة التوقيف أربعًا وعشرين ساعة؛ ولا تدخل في هذه المدة مدةُ الطريق اللازمة لإحضار الشخص من مكان الضبط إلى أقرب قاضٍ أو محكمة (اثنتا عشرة ساعة على الأكثر). وفي الجرائم المرتكبة جماعيًا يمكن تمديد هذه المدة ضمن الحدود التي نص عليها القانون.
  • الحبس الاحتياطي: لا يكون إلا بقرار من قاضٍ أو محكمة، وهو تدبير احترازي. ولا يمكن للضابطة العدلية أو المدعي العام إصدار قرار حبس احتياطي بمفرده.

وكما هو ظاهر، تختلف هذه المؤسسات الثلاث بعضها عن بعض من حيث الجهة صاحبة القرار ومدتها وطبيعتها القانونية. ومعرفة أي التدابير يُطبَّق تحدّد أيضًا أيَّ الحقوق وسبل الاعتراض تدخل حيّز التطبيق.

الحقوق الأساسية للمشتبه به

فيما يلي أبرز الحقوق الممنوحة للمشتبه به منذ بداية التحقيق، والتي يجب تذكيره بها قبل الإفادة أو الاستجواب:

  • حق الصمت: للمشتبه به الحق في عدم الإجابة عن الأسئلة الموجَّهة إليه، ولا يجوز تفسير صمته ضدّه.
  • حق الاستعانة بمحامي الدفاع: يمكنه في كل مرحلة من مراحل التحقيق الاستفادة من المساعدة القانونية لمحامٍ أو أكثر؛ ويُبقى لقاؤه بمحاميه سريًا.
  • حق المحامي المجاني: يُعيَّن للمشتبه به الذي ليس بوسعه توكيل محامٍ محامٍ مجانًا من قِبَل نقابة المحامين عند طلبه.
  • حالات المحامي الوجوبي: إذا كان المشتبه به طفلًا، أو معاقًا إلى درجة تمنعه من الدفاع عن نفسه، أو أصمّ أبكم، أو كان يُحقَّق معه في جريمة حدّها الأدنى يتجاوز خمس سنوات حبسًا، عُيِّن له محامٍ دون حاجة إلى طلب.
  • حق معرفة التهمة المنسوبة إليه: يُبلَّغ المشتبه به بالتهمة الموجَّهة إليه بوضوح.
  • حق طلب إبلاغ أحد أقاربه: يُبلَّغ أحد أقارب الشخص المضبوط بوضعه دون تأخير بناءً على طلبه.
  • حق طلب جمع الأدلة التي في مصلحته: يمكن للمشتبه به طلب تحرّي الوقائع التي في مصلحته بغية درء الشبهة عنه.
  • قرينة البراءة: لا يمكن عدّ الشخص مذنبًا ما لم يوجد حكم إدانة قطعي.

الأساليب المحظورة في الإفادة والاستجواب

يُسمّى القول المأخوذ أمام الضابطة العدلية أو المدعي العام في مرحلة التحقيق إفادة، ويُسمّى القول المأخوذ أمام القاضي استجوابًا. وفي كليهما تكون الإرادة الحرة للشخص أساسًا، وقد حظر القانون بعض الأساليب حظرًا قاطعًا:

  • لا يجوز الحصول على الإفادة بتدخلات بدنية أو نفسية كسوء المعاملة والتعذيب وإعطاء الأدوية والإنهاك والخداع والإكراه والتهديد.
  • لا يجوز الحصول على قول بوعد بمنفعة مخالفة للقانون.
  • لا يجوز استخدام الإفادات المتحصَّلة بهذه الأساليب المحظورة كدليل ولو برضا الشخص.
  • الإفادة المأخوذة لدى الضابطة العدلية دون حضور محامٍ لا تصلح أساسًا للحكم ما لم يؤكّدها المشتبه به أو المتهم أمام قاضٍ أو محكمة.

الاعتراض على قرارات التوقيف والحبس الاحتياطي

الرقابة القضائية متاحة على التدابير المقيِّدة للحرية الشخصية. فللشخص المضبوط أو الموقوف ولمحاميه التقدّم إلى قاضي الصلح الجزائي اعتراضًا على إجراء التوقيف أو مدته أو على الضبط. والاعتراض ممكن كذلك على قرار الحبس الاحتياطي؛ كما يُعاد تقييم استمرار الحبس من عدمه على فترات منتظمة.

التحقيق الجنائي عملية فنية تمسّ مباشرةً الوضع القانوني للشخص، وقد تؤثّر الخطوات المتخذة في هذه المرحلة في المحاكمة اللاحقة برمّتها. وعندما تُستدعى للإدلاء بإفادة أو تُوقَّف، فإن ممارسة حقك في الصمت وفي الاستعانة بمحامٍ وإدارة العملية بمرافقة محامٍ هي ضمانتك الأساسية.